كانت السيارات تندفع بسرعة وبلا نهاية.
سيول من السيارات تندفع بقوة,حيث تنعدم أى فرصة فى المرور.
الأمطار تهطل بغزارة,والسيارات تبغى العودة بأقصى سرعة.
و الناس يسيرون على الرصيف المقابل تحت حماية شرفات المنازل والمظلات.
وكنت وحدى على الرصيف المقابل الملاصق لطريق السيارات..
تنهمر فوق رأسى الأمطار الباردة لتحيل وجهى إلى قطعة ثلج..
بينما تغوص السيارات فى برك المياة لتصب مياهها فوق جسدى.
أركض للأمام لعلي أجد مايقينى من الأمطار أوساتراً بينى وبين السيارات
ولكن بلا فائدة.
فذلك الرصيف الضيق المجاور لبركة طويلة من الأوحال العميقة, يمتد طولياً إلى خارج
المدينة, والسيارات تواصل اندفاعها العنيف ,غير مبالية بمحاولاتى الخجلة للعبور
أخيراً قررت إنتهازفرصة وجود فراغ صغير,بين صفوف السيارات, وتخطيت صفهم الأول بنجاح, وركضت سعيداً باتجاه الرصيف المقابل..
حيث أرى المشاة هناك بعد أن كانت السيارات الضخمة تحول بينى وبين رؤيتهم.
لأول مرة أتمنى ان أكون وسط الناس.
أخيراً أعبر أخر صفوف السيارات,وقد نسيت أننى أكاد أسبح فى المياة من حولى.
ولكن فجأة!,اندفعت سيارة فارهة قادمة من بعيد بسرعة أكبر
حاولت الركض أكثر لكن المياة العميقة أعاقت محاولتى الاخيرة.
وأمام اندفاعها العنيف وصوت الموسيقى الصاخبة المنبعث منها
لم أجد سوى التراجع للخلف, ليندفع من ورائها سيلا جارفا من السيارات
لتجبرنى على التراجع تماما للخلف, إلى الرصيف الأول الضيق.
وقبل أن أبلغه لمحت شاحنة ثقيلة تندفع بسرعة أكبرفى المسار المجاور للرصيف الضيق
فتوقفت مجبراً لأتركها تعبر,ولكن سيارةحديثة كانت تسير بجوارالشاحنه, على المسار الذى اقف فيه قد ضاعفت من سرعتها وأغلقت تماما الطريق فى وجهى ,حتى تيقنت انها ستقفز بى خارج الطريق ,ولكني و في اللحظة الأخيرة اندفعت بأقصى سرعتى وقفزت لأعبر السيارتين وأعود أدراجى إلى الرصيف الضيق مرة اخرى
الذى ما ان وصلت اليه حتى تركت نفسى أرقد عليه
واسترخي تماما غير مباليا بالأوحال أوالأمطار أو سخرية الناظرين.
شعرت لِلحظة بفقدان الوعى,ولكنى أفقت دون أن اشعر بأى شىء سوى التبلد التام فى جسدى وشعورعام بالتجمد,حتى أننى لم أعد أشعربأطرافي على الأطلاق !
أخذت نظرة طويلة إلى السيارات التى تواصل اندفاعها,والمشاة على الرصيف المقابل وهم يتضاحكون, وينظرون بريبة الى وضعى الغريب..
لمحت نظرات الشفقة فى أعين بعض الناس,ولكنى لم أجد الفارق كبيراً بين الشفقة والشماته فالإثنان لهم معنى واحد عندى.
شيئا غريب حقاً!
أكتشفت الأن أن عويناتى قد سقطت وضاعت عندما قفزت فى المرة الأخيرة
لكنى أرى الناس الأن بوضوح,رغم أني لم أكن أراهم جيداً فى السابق.
مرت الأن بجوار وجهى شاحنة ضخمة اهتزت لها كل أفرع الاشجاروأطلقت بوجهى عاصفة دفعتنى إلى الأمام عدة أمتار
ولكن صوت السيارة كان مميزبشكلاً غريب وكأنه ضحكة من رجلٍ عجوز شامت.
قطعت تلك الغفوة القصيره وأبعدت كل تلك الأفكار من رأسى.
وقررت عبور الطريق بأى ثمن.
وقفت على قدماى التى لا أشعر بها
وقبضت يدى التى أصبحت كقطعة ثلج ميتة
ونظرت بعينى الثاقبة على الرجل الطويل مهندم الزى
الذى يقف بثقة أسفل مظلته العريضه,مبتسما تلك الإبتسامة الصفراء المستحقرة التى تكاد تنطق وتقول: "انت قذر"
أتجه الأن نحو الرصيف الأخر..أتقدم بسرعة غير مبالياً بتلك السيارة الجميله
التى أطلقت كوابحها صوتاً يقول: "انت غبى"
أواصل العبور الأن وعيناى مثبتة على الرجل ذو المظله.
تحاول حافلة كبيرة المرور من أمامى
ولكنى أتخطاها بمهارة جعلت ركباها يشهقون فى
مقاعدهم بينما أطلق بوق الحافله صوت يقول: "انت مجنون"
لم يعد أمامى سوى صفاً اخيراً من السيارات,ولكن الرجل ذو المظلة مازال يحمل نفس
النظرة السمجة والإبتسامة الصفراء التى تحرق أعصابى.
أشعر الأن فقط بقدماى وأطرافى.
لماذا لم يؤثر فى الرجل عبورى الماهر للسيارات رغم سرعتها؟
لماذا يحتفظ بنفس النظرة الواثقة المستفزه؟
حسنا أيها السمج ..ها أنا أعبر..
تقترب سيارة قديمة متهالكة ذات صوتا صاخب
يبدو أنها تحاول الوصول إلى أقصى سرعه
ولكن هذا لا يزيدها سوى ضجة..
لن تكون تلك الخردة ما يقف أمامى فى النهاية.
ها انت بين يدى, أليس لديك سوى تلك الإبتسامة البلهاء؟
ولكنه لأول مرة أدار وجهه عني ونظر خلفي فى لهفة غريبة
....
كانت السيارة القديمة المتهالكة
تدفعنى فى الهواء ثم تعبر على جسدى المتجمد
وصوتها المزعج المتحشرج يقول
:
انت ميت
Sunday, March 9, 2008
Subscribe to:
Posts (Atom)